الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

301

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجيء بفعل كانَ بصيغة المضي لأن الحديث عن عاقبتها في الدنيا تغليبا . وفي كل ذلك تفظيع لما لحقهم مبالغة في التحذير مما وقعوا فيه . وجملة أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً بدل اشتمال من جملة وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً أو بدل بعض من كل . والمراد عذاب الآخرة لأن الإعداد التهيئة وإنما يهيّأ الشيء الذي لم يحصل . وإن جعلت الحساب والعذاب المذكورين آنفا حساب الآخرة وعذابها كما تقدم آنفا فجملة أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً استئنافا لبيان أن ذلك متزايد غير مخفف منه كقوله : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 30 ] . فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا . هذا التفريع المقصود على التكاليف السابقة وخاصة على قوله : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] وهو نتيجة ما مهّد له به من قوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ . وفي نداء المؤمنين بوصف أُولِي الْأَلْبابِ إيماء إلى أن العقول الراجحة تدعو إلى تقوى اللّه لأنها كمال نفساني ، ولأن فوائدها حقيقية دائمة ، ولأن بها اجتناب المضار في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 62 ، 63 ] ، وقوله : أُولِي معناه ذوي ، وتقدم بيانه عند قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [ الطلاق : 4 ] آنفا و الَّذِينَ آمَنُوا بدل من أُولِي الْأَلْبابِ . وهذا الاتباع يومئ إلى أن قبولهم الإيمان عنوان على رجاحة عقولهم . والإتيان بصلة الموصول إشعار بأن الإيمان سبب للتقوى وجامع لمعظمها ولكن للتقوى درجات هي التي أمروا بأن يحيطوا بها . قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . في هذه الجملة معنى العلة للأمر بالتقوى لأن إنزال الكتاب نفع عظيم لهم مستحق شكرهم عليه . وتأكيد الخبر ب قَدْ للاهتمام به وبعث النفوس على تصفح هذا الكتاب ومتابعة